"فحتى أصغر أوراق العشب مرتبطة بأعظم النجوم" -مقتبس-
يقال إنّ لعبة العروش هو أعظم مسلسل في تاريخ التلفزيون، ومما زاد تقديري إليه رؤيتي للفيلم الوثائقي الذي تحدّث عنه والذي يحمل عنوان:
Game of Thrones.. The Last Watch
فأظهر لي تفاصيل لم تكن لي أيّة دراية بها، مما لامستني طريقة عمل الفريق من أصغر عامل إلى أكبرهم، فمن بعده صرت لا أستطيع تفضيل هذا العامل على ذاك، فلكلٍّ كان له دورٌ فريد في صناعة ذلك العمل بهذه الاحترافية والجودة.
فلو سألت أي متابع "تقليدي" لهذا المسلسل: من هو بطلك المفضل؟
سيجيب: جون سنو، أو آريا ستارك، أو ما إلى ذلك من أسماء الأبطال اللامعين الذين لمّع صورتهم "مصوّر محترف مختبئ خلف كامرته"،
ولكن هنالك فئة أخرى "غير تقليدية" ستجيب:
هنالك مصور محترف مختبئ خلف كامرته، أو كلّ من في العمل كان بطل بشكلٍ ما أو بآخر، كذلك الكاتب الإنطوائي فقد أظهر إبداعًا بالنص والكتابة، والجريء بالظهور تقمّص الدور وأبدع في أداءه أمام الكاميرات، بمساعدة فريق الكومبارس الذين لم تُظهرهم الأضواء ولكنهم أجادوا دورهم أثناء تمثيلهم لجيش المحاربين وإكمال الجموع في تلك المشاهد الناقصة، والذين لولاهم لما اكتمل جمال المشهد، وأيضًا مجموعة ستتساءل عمّن تميّز بالذكاء الحاذق في تحديد تلك البُقع المناسبة لأداء المشاهد والذين يجهلهم حتى الطاقم التمثيلي، وكذلك هنالك من سيلاحظ فريق الماكياج والأوركسترا ومؤلف الموسيقى التصويرية الفاتنة،
إذن تلك الفئة الأخرى ذات الإجابات "الغير تقليدية"، دائمًا ستكبّر الصور قدر الإمكان قبل أن تجيب، وتدرك بأنها مهما اجتهدت بالتذكّر والتدقيق لن تتمكّن من إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقه فيمن ساهم وأبدع، لأنّ العيون ستظلّ قاصرة مهما حاولت تكبير الصورة،
مفاد ذلك؛ لا تقلل من قدر أحد، ولا تتّخذ دور الحاكم والجلّاد إن لم تكن تملك عيون الأرض والسماء والحجر والهواء، وتستمع إلى صوت خطوات البشر وحديثهم مع أنفسهم ونواياهم، وتعرف مساعيهم وأدق تفاصيل ما يمرّون به من مواقف وظروف، لتجيز لنفسك تقييمهم بعيونك القاصرة الصغيرة، التي لا تستطيع أن ترى أبعد من ظلها، فإن كان صدى عملٍ ما مُدوٍ وصار حديث العالم، لا تنسبه لمجرّد ما تراه أمامك، فتلك شهادة ناقصة، ،كما قال ميخائيل نعيمة على لسان مرداد:
"ليست الشهادة شهادة وافية صادقة ما لم تكن مستقاة من كلّ مصادرها. ومصدر كل شهادة هو الكون بأسره. إذن فادعوه إلى محكمتكم كيما تعدلوا في أحكامكم" وأكمل:
"إنكم يوم تعرفون كلّ ما يعرفه الكون تعدلون عن إصدار حكمكم على أيّ شيء في الكون".
فمن لا يملك شهادة الكون ويعجز عن رؤية ذلك الارتباط الوثيق الذي يربط ما بين العشب والنجوم كما ربط المخرج بين أدواته وأنتج تحفة لعبة العروش، فليوفّرها وليكتفِ بالصمت ولا يُولّي من نفسه حاكمًا على العالمين، ولْيلْتَهِ بتنظيف غبار نظارته إن كان حقّا ينوي صناعة عمل تشبه جودته لعبة العروش.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق