visitors

الأربعاء، 11 مارس 2026

هل لا تزال إسفنجة؟


 أستطيع الآن على الأقل أن أقول بأنّ طبيعتي ليست إسفنجية، وأرى بأن فضل ذلك يعود لأمي، حيث كانت تقرأ لمصطفى محمود.. تحب كلمات الربعي.. الخطيب.. فؤاد الهاشم ونبيل الفضل. تحب الاستماع لعبد الكريم عبد القادر، فكان لديها ذوق رفيع في مختلف المجالات، حتى في اختيارها لما نرتدي عندما كنّا صغارًا، لم تتبع أيّ موضة، بل صنعت موضتها بنفسها. كانت تشاهد أكثر من فيلم في آنٍ واحد، وطريقة شرحها للقصة تشعرك بالحماس لمشاهدته؛ وقد يكون ذلك سبب إدماني على مشاهدة الأفلام الذي أخذته عنها. إمممم ؟! هل أناقض نفسي عندما أقول بأنني "قد أخذته عنها" وأنّ طبيعتي ليست إسفنجية؟ لا أعتقد، والسبب بسيط وهو أنني أعلم ما يحدث معي من تأثّرٍ بها. أعود مجدّدًا لأمي.. تجيد التعبير، نبيهة، ولديها سرعة بديهة، والتي مثّلتها أختي بهذه الصفة الأخيرة خير تمثيل. هي من أحد نعم الله علَي أن وهبني هذه الأم المثقفة والتي لم تكن يومًا تابعة لأيٍّ من التيارات السياسية ولا زالت.

طبيعتي ليست إسفنجية.. لم يحدث ذلك في لمح البصر. فأتراجع وأغيّر آرائي، أستبيح فكرةً حينًا، وبعد فترةٍ أنسلخ عنها أو أتندّر على حماسي في التعبير عنها.

الإنسان عمومًا في أحيانٍ كثيرةٍ قد يتبنّى قناعةً ما، يعتقد أنه وصل إليها من فهمه الحر والخاص، لكنه في حقيقة الأمر ما هو إلّا مسيّرٌ لها من غير دراية منه أو وعي، فيعيش تحت قضبانها معتقدًا أنّه قد حلّق بعا عاليًا، ضاربًا بأجنحة وهمه حوائط السجن، ظنًّا بها أرضًا شاسعةً وسماء.

فليس الجميع يمتلك شجاعة التفكير والجرأة على مواجهة نفسه والوعي بسجنه. وأعتقد بأنّ أكبر متسبّب في وضع لبِنات تلك الميول اللاواعية هو البيت، خاصة إن كان أحد الوالدين ينتمي لأحد التيارات السياسية ويزرع توجّهاتها في أبنائه. إلّا إن أدرك الابن بنفسه تأثّره اللاواعي بمكان نشأته، فيقرر حينها التحرر ورمي تلك الأفكار المعلّبة منتهية الصلاحية.

فعندما تتبنّى فكرة، تعمّق في جذورها، حاول تذكّر تاريخ غرس بذرتها ومصدر تلك البذرة، وقرر حينها على أساس ذلك :
هل تمتلك شجاعة مواجهة مصدرها، أم أنّك لا تزال إسفنجة تمتص كلّ سائلٍ مسكوب؟


الأربعاء، 27 نوفمبر 2024

عن ماذا تبحث؟

 

عن ماذا تبحث؟

عن حقيقتك؟ أم عن قيمتك؟
 
إن كنت تدّعي بأنك تبحث عن حقيقتك، فحقيقتك خاصة فيك، فقط أنت من يعرفها، وبما إنها حقيقة فلا تحتاج لتأكيد ولا لبرهان.
أمّا إذا كنت تشعر بإنك دائمًا ما تحتاج إلى إثبات من الآخر، تتسوّل انتباهه، تشعر بإنّ لك قيمة بكثرة مشاهداته لك، إظهار إعجاباته، إطراءاته والتي قد تكون أحيانًا مجرّد دين قُدّم إليك مطلوب تسديده بتاريخٍ آجل، فتستمر بتلك الدائرة وتطلب المزيد، لأنك ولغاية الآن لم تكتفِ بنفسك، فتحتاج إلى تأكيدٍ دائم بإنك موجود، ومهم وذو شأنٍ عالٍ، مع إنه وبالحقيقة لا تحتاج إلى كل هذه البالونات والفقاعات، إلّا إن كنت تود تحويل حقيقتك التي تدّعيها إلى سلعة مادية تتكسّب من خلالها، لأنك كسول ولا تود أن تبذل أي مجهود حقيقي فتتغنّى بالهراء، وكلمات الحقيقة الفارغة من أيّة حقائق. 
رأيي، بأنّ دائم المسعى إلى ملء نفسه من الخارج يعكس شعور بالفراغ والضياع، وفقدان القيمة الحقيقية للنفس،
فدائمًا ما سيحتاج هذا الصنف إلى إشعاره بأنه محبوب، مرغوب وناجح، فيأخذ بتسوّل الانتباه بمختلف أشكاله، أحيانًا حتى بتعمّد الإهمال وتصنّع عدم الاهتمام بالآخر ليغذّي ذلك النقص والفراغ الذي يشعر به.

إذن عن ماذا تبحث؟

عن حقيقتك؟ أم عن قيمتك؟

الجمعة، 26 يناير 2024

غير مسموح لك أن تتجاوز الطابور

 

تمت إضافة معنًا جديدًا من قِبَل بعض مستخدمين تطبيق "قاموس إيربان"، حيث تمّ وضع العديد من الأمثلة والتي تشير إلى معنى الفعل "اسرائيلي" أو بالإنچليزي:

Israeled

وفحوى معناه " هو أن يدّعي شخص ملكية شيء ما يخصّ شخصًا آخر، أي ما يعني ضمنيًا "السرقة" ".


مر عليّ في ذلك اليوم في تطبيق إكس أي "تويتر سابقًا" ڤيديو من حساب "المستهلك الكويتي" ينتقد تصرّف سائق يتجاوز صف طابور إشارة المرور ليقف أمام أوّل سيارة منتظرة بالطابور بكلّ قوة ووقاحة، مانحًا لنفسه الأولوية والأهمية عن غيره من المنتظرين؛

فتذكّرت ذلك المعنى الذي أشرت إليه في البداية وسألتها نفسي:


ماذا لو كان ذلك السائق من المستنكرين، الرافضين والناقدين للفعل الإسرائيلي في استيلائه على أراضٍ فلسطينية بالقوة ودون وجه حق ودائم النشر لپوستات تدعم استنكاره ورفضه؟!

تُرى هل ذلك الشخص يرتدي الكوفية ويضع باج علم فلسطين على زيّه في أثناء ذهابه مقر عمله؟


سأفترض أنه من فئة الناشطين بوضع پوستات الانتصار للقضية من مآسي الأطفال والأهالي هناك، مع انتقاد متطرّف للظلم الذي يتعرضون إليه، إضافه إلى تحريضه الدائم على مقاطعة المنتجات التي تدعم فعل الكيان "من وجهة نظره"، كذلك لا يتوقف عن وضع أدعية عن نصرة المظلوم، ولكن نفسه ذلك الشخص ما أن يكون في طابورٍ ما، سواء عند الإشارة، أو الجمعية، وحتى طابور الترقيات الوظيفية، فلا يرى بتجاوزاته إلّا أصدق صور العدالة والأحقيّة، فهو الأولى من الجميع "بمكانهم"، هنا لا يرى "بفعله الاسرائيلي" إلّا الانتصار لحقه المزعوم زورًا وبهتانًا، وبعد وضعه "عن طريق معارفه" إسمه على أعلى قائمة الترقيات وقبل المستحقين، وقبل نزوله إلى المول وهو "مصطف بسيارته في أحد مواقف المعاقين"، يضع پوست في أحد حسابات تواصله الإجتماعي يُهين ويشتم من لا يشاركه نصرته، فيترجّل بعدها وهو "بكامل صحته وعافيته" للتسوق!!


فكم من شخصٍ "اسرائيليٍ بأفعاله"؟ سارقًا لحقوق غيره؟ مستوليًا على مكانهم؟ أرضهم؟ دورهم بالترقية؟ ولا يرى بنفسه السوء الإسرائيلي، بل ينكر فعل الكيان على فلسطين، وما هو إلّا أحد المعتدين.


"إن كنت منهم" لا سمح الله، فرأيي أن تبدأ بالانتصار في نفسك، بمراقبتها ومحاسبتها، والوعي بتلك الأفعال ذات الأثر بالغ السوء على نفس الآخر والتي لا تختلف عن الفعل الإسرائيلي، ولو أنكرت تلك الحقيقة فهي قائمة.


فعندما تطلب العدالة من ربّ السماء، فعليك أن تخشى من أن تقع نتيجتها عليك قبلهم، فلا تنكر فعل لتأتي بمثله.


فتقع مثل تلك التناقضات ونقصان الرؤية في نفوس البعض بمن اعتادوا الخضوع للتوجيه الإعلامي دون فلترة في تضخيمه وتسليطه الضوء على ما يشاء مستفيده، في حين جهل من تم توجيهه عن عدم اختلاف مسلكها وأسلوبها من قضايانا الصغيرة ذات الجانب المظلم في عدم عدالتها وظلمها وسرقة حق غيرها في بعض الأحيان ولكن قد خانك إدراكك بالوعي بها، فأسقطته على غيرك، والتهيت به عمّا سواه، وأفرغت جلّ غضبك على آخر قد قال لك :


"غير مسموح لك أن تتجاوز الطابور."

الثلاثاء، 11 يوليو 2023

Coconut Latte

وصلني كوب القهوة الذي طلبته عن طريق خدمة التوصيل مكتوبٌ عليه من الخارج:

Coconut Latte
ومن جهته الأخرى مكتوبٌ عليه أيضًا :
Coconut With Cinnamon :)
Have a nice day :)

كم أحب عندما يصلني الطلب الذي طلبته من خلال خدمة التوصيل بهذا الشكل، فذلك يُشعرني بالثقة بالموظف وجودة عمله، لأنه اعتنى بملاحظاتي الصغيرة التي أرفقتها بالطلب.

فعادةً، وعندما أطلب من فرع القهوة الذي اعتدت عليه، لا يوجد لديهم في لستة الطلبات حليب جوز الهند برغم علمي بتوفره لديهم، ولكنني أجهل سبب عدم إضافتهم له في لستة طلبات التوصيل، لذلك دائمًا ما أحرص على كتابة ملاحظةٍ لهم بضرورة استبداله.

فأبهجني وصول طلبي بهذا الشكل، بتلك الملاحظات المكتوبة عليه من خارج العلبة، حيث شعرت بأنّ ملاحظاتي قد أُخذت بعين الاعتبار، وبالمقابل، قمت بالبحث عن رقم الفرع الذي صنع لي الطلب وتواصلت مع الموظف وشكرته على دقته وحرصه وعمله المتفاني.

كذلك وفي أثناء تقليبي لصفحات الفيس بوك، ظهرت أمامي قصة "طعم الكرز"، فذكّرتني بمدى اهتمامي وحبي لملاحظة التفاصيل، وبمن يعتني بأصغرها وأدقّها، وأراها مهمة جدًا بالنسبة لي، فلا تدري إلى أين قد يصل أثر الاهتمام بها، وإلى أيّ مدى سيكون امتداده، كما هي حبة الكرز الصغيرة والتي بثّت بإنسان ٍأملٍ بالحياة؛ أو حتى حبة من التوت "كما أراد ناقل النص"، من قصة الفيلم الملهم والذي يحمل عنوان " طعم الكرز".

لا أحب أن تُختصر وتُختزل طريقتي في الحياة، وكذلك بالكتابة، فهي تمثّل أسلوبي الخاص بالتعبير عن كلّ شيء، وعن ذائقتي وطريقة رؤيتي للأمور وربطها مع بعضها البعض. قد يكون بالاختصار فائدة لأولئك الذين همّهم هو التسابق مع الحياة، ولكنّي أقدّس البطء، وأحبّ الاهتمام والعناية بالتفاصيل، وربط حبة الكرز مع الكوكونت لاتيه.

فإن كنت من محبين اختصار الحياة والتفاصيل فحكايتي ليست لك.






الخميس، 17 فبراير 2022

لعبة العروش

 

"فحتى أصغر أوراق العشب مرتبطة بأعظم النجوم" -مقتبس-


يقال إنّ لعبة العروش هو أعظم مسلسل في تاريخ التلفزيون، ومما زاد تقديري إليه رؤيتي للفيلم الوثائقي الذي تحدّث عنه والذي يحمل عنوان:


Game of Thrones.. The Last Watch


فأظهر لي تفاصيل لم تكن لي أيّة دراية بها، مما لامستني طريقة عمل الفريق من أصغر عامل إلى أكبرهم، فمن بعده صرت لا أستطيع تفضيل هذا العامل على ذاك، فلكلٍّ كان له دورٌ فريد في صناعة ذلك العمل بهذه الاحترافية والجودة.

فلو سألت أي متابع "تقليدي" لهذا المسلسل: من هو بطلك المفضل؟

سيجيب: جون سنو، أو آريا ستارك، أو ما إلى ذلك من أسماء الأبطال اللامعين الذين لمّع صورتهم "مصوّر محترف مختبئ خلف كامرته"، 

ولكن هنالك فئة أخرى "غير تقليدية" ستجيب:

هنالك مصور محترف مختبئ خلف كامرته، أو كلّ من في العمل كان بطل بشكلٍ ما أو بآخر، كذلك الكاتب الإنطوائي فقد أظهر إبداعًا بالنص والكتابة، والجريء بالظهور تقمّص الدور وأبدع في أداءه أمام الكاميرات، بمساعدة فريق الكومبارس الذين لم تُظهرهم الأضواء ولكنهم أجادوا دورهم أثناء تمثيلهم لجيش المحاربين وإكمال الجموع في تلك المشاهد الناقصة، والذين لولاهم لما اكتمل جمال المشهد، وأيضًا مجموعة ستتساءل عمّن تميّز بالذكاء الحاذق في تحديد تلك البُقع المناسبة لأداء المشاهد والذين يجهلهم حتى الطاقم التمثيلي، وكذلك هنالك من سيلاحظ فريق الماكياج والأوركسترا ومؤلف الموسيقى التصويرية الفاتنة، 

إذن تلك الفئة الأخرى ذات الإجابات "الغير تقليدية"، دائمًا ستكبّر الصور قدر الإمكان قبل أن تجيب، وتدرك بأنها مهما اجتهدت بالتذكّر والتدقيق لن تتمكّن من إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقه فيمن ساهم وأبدع، لأنّ العيون ستظلّ قاصرة مهما حاولت تكبير الصورة،

مفاد ذلك؛ لا تقلل من قدر أحد، ولا تتّخذ دور الحاكم والجلّاد إن لم تكن تملك عيون الأرض والسماء والحجر والهواء، وتستمع إلى صوت خطوات البشر وحديثهم مع أنفسهم ونواياهم، وتعرف مساعيهم وأدق تفاصيل ما يمرّون به من مواقف وظروف، لتجيز لنفسك تقييمهم بعيونك القاصرة الصغيرة، التي لا تستطيع أن ترى أبعد من ظلها، فإن كان صدى عملٍ ما مُدوٍ وصار حديث العالم، لا تنسبه لمجرّد ما تراه أمامك، فتلك شهادة ناقصة، ،كما قال ميخائيل نعيمة على لسان مرداد:

"ليست الشهادة شهادة وافية صادقة ما لم تكن مستقاة من كلّ مصادرها. ومصدر كل شهادة هو الكون بأسره. إذن فادعوه إلى محكمتكم كيما تعدلوا في أحكامكم" وأكمل:

"إنكم يوم تعرفون كلّ ما يعرفه الكون تعدلون عن إصدار حكمكم على أيّ شيء في الكون".


فمن لا يملك شهادة الكون ويعجز عن رؤية ذلك الارتباط الوثيق الذي يربط ما بين العشب والنجوم كما ربط المخرج بين أدواته وأنتج تحفة لعبة العروش، فليوفّرها وليكتفِ بالصمت ولا يُولّي من نفسه حاكمًا على العالمين، ولْيلْتَهِ بتنظيف غبار نظارته إن كان حقّا ينوي صناعة عمل تشبه جودته لعبة العروش.

الأحد، 26 ديسمبر 2021

كتاب عزة

 

سألت أختي نور: ماذا لديك من مقترحات ل نادي ألوها للقراءة للعام الجديد؟

فاقترحت لي كتاب سيرة ذاتية لمصممة المجوهرات عزة فهمي، فقد كان من المفترض أن تتم مناقشة رواية الغريب ل " البير كامو " في لقاءنا الأخير والذي ستكون به ختام لستة قراءات سنة ٢٠٢١، ولكني شعرت بأن الأجواء العامة بحاجة لمادة تكسر التوتر الموجود بالهواء، وتضفي شيء من الرواء والبهجة على مساءات الشتاء الباردة، فأجلنا موضوع الوجودية وانتقلنا منه إلى المادية، واقترحت على المجموعة بأن يتم تقديم موضوع عزة للسنة الحالية.

أول ما بدأت القراءة فاجأتني طريقة السرد، حيث كانت الكتابة باللغة العامية المصرية، فطبعًا حكمت عليها حكم مسبق، وخاصة أن الكتابة بالعامية هو أداة تقلل من احترافية العمل وتؤثر بانتشاره كما تعلمت، ولا ننسى بأن لكل قاعدة استثناء، وأرى بأن كتابها كان من أحد هذه الاستثناءات، فكان الهدف منه معرفة عزة الإنسانة، مولد تلك التصميمات.

وبعدما قرأت وصفها لطريقة رؤيتها للأمور، شعورها بحديث الحجر، ورؤيتها بأبسط الزوايا قصة ولوحات فنية، وبكلّ إنسان معلم، إضافة إلى خلطتها المعقدة التي أتت منها عن أب "سوداني مصري" و أم "تركية مصرية"، وكيف أثّر هذا الامتداد بصناعة قصتها وتفاصيل حياتها الغنية، فعرفت عندها من أين تشكّلت تلك الحكمة وجمال التصميم، والذي وإن رسمت مجرد وردة بسيطة صغيرة، أو صنعت قطعة إسواره على شكل حرف، ستشعر بأنّ فيه روح وثقل وحياة قديمة تجاوزت الخمسين عام، سترى فيه قصص عريقة متشابكة تلمس القلب، والتي ستتجلى في قطعة جماد حية، كما كان لكتاب عزة من روح وصلت إلينا من مكان بعيد وأضفت على مناقشتنا لطافة وحياة.


لعزة فهمي كل تقديري واحترامي.




الأربعاء، 8 سبتمبر 2021

حكمة الفقاعة

 لماذا لا يستطيع الجميع الاعتراف لنفسه بأنّ ما يحدث في هذا العالم من أمور الاجبار والتضييقات على فئة معينة من البشر هو أمر لا أخلاقي وغير إنساني ويتعدى على كرامة الإنسان وحدوده الشخصية؟ ويتفنن بإيجاد لنفسه المبررات على سكوته وامتثاله وعلى أنّ الأمر ليس من شأنه؟


رأيي: ليس الجميع على استعدادٍ من تحمّل مسؤولية أنفسهم، ونتائج خياراتهم خاصة إن كانت ليست كما كانوا يعتقدون، هم يرون باتجاه واحد فقط، وإن كان الواقع يتمثّل باتجاهات أخرى وعدّة فسيكونون خارج دائرة  أمانهم إن قرروا النظر، وهذا الأمر مرعب بالنسبة إليهم لذلك هم لا يجرؤون على النظر، والأسهل إليهم بدل الإقرار هو تزيين الخارج والهروب من الأعماق إلى وهم الاتجاه الواحد، وأحيانًا أخرى إلى خداع النفس بعيش حكمة الفقاعة والأحلام الوردية، وكأنّ الأمر ليس من صناعة أيديهم، فيأخذون بالتنظير من فوق برجهم العاجي على أساس أنهم اصطادوا السمكة وحلّوا اللغز، حيث أنّ حكمتهم خانتهم هذه المرة وهم لا يعلمون، فأنستهم بأنهم لا يستطيعون فصل أنفسهم عن الآخرين، مهما ادّعوا وتلبّسوا الذكاء، وحاولوا قطع الحبال والروابط، فنحن نشترك معًا وعلى أقلّ تقديرٍ بالهواء، بالهواء الذي نتنفّسه، فنصنعه معًا لبعضنا البعض بشهيقنا وزفيرنا، إلّا إن أردتم كتمان أنفاسكم عن الآخر، لذلك شأن الآخر هو شأنك، فتحرّك من أجله من فضلك، من أجلك، حتى لا تنفجر فقاعتك الوردية يومًا ما، فقاعة وهم حكمتك،  وتسقطك في قاع الواقع، قاع الوجهات كلها مجتمعة من غير اتجاه محدد، فينقطع عنك حتى الهواء عندها، هواء شاركك بصناعته ذلك الآخر الذي كنت تتصنّع أنّك لا تراه.




المناسبة للمقال السابق: فترة غريبة يمر بها هذا العالم لينقسم إلى قسمين، كل طرف يرى بنفسه الصواب، وبالحقيقة أنّ هنالك لا خطأ، كلاهما على صواب من الزاوية التي يرى بها كلّ فريق واقعه، ولكن المشكلة عندما صوابك يحاول الاعتداء على صوابي، ويسعى جاهدًا لقمعه وخنقه ، لذلك أبيت السكوت، فذكرت هذه الحروف للزمان، قد لا ترى بها شيئًا ولكنني أرى، وهذا هو قدر استطاعتي على الأقل حتى الآن. فأرجو أن تشاركني بالتحدث، وإيقاف هذا التعدي.

اليوم هو الأربعاء، سبتمبر الثامن من عام ٢٠٢١ من غرفتي الصغيرة.